أسئلة تأملية من أحد المتابعين في قوله تعالى: ﴿وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ و﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ﴾
قال تعالى:﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾[النساء: 163]
ثم قال سبحانه:
﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾[النساء: 164-165]
تثير هذه الآيات عدة أسئلة:
لماذا قال الله أولًا: ﴿وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾، مع أن هذا التعبير يشمل إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان، ثم عاد فذكر هؤلاء بأسمائهم؟
ولماذا عبّرت الآية الأولى بـ﴿النبيين﴾، ثم جاء التعبير في الآية التالية بـ﴿رسلًا﴾؟
وهل لهذا الانتقال علاقة بالفرق بين النبي والرسول؟
وما المراد بقوله تعالى: ﴿وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾؟
وهل يعني عدم قصصهم أن النبي محمدًا ﷺ لم يكن يعلم بهم، أم أن الآية تنفي ذكر قصصهم فحسب دون أن تتعرض لمقدار علم النبي ﷺ بهم؟
هذه الأسئلة ليست تدقيقًا زائدًا في الألفاظ؛ فالقرآن كثيرًا ما يغيّر التعبير داخل السياق الواحد، ويكون لاختيار اللفظ جهة من المعنى تستحق التأمل.
أولًا: هل الآيات في سياق واحد؟
نعم والظاهر من السياق أن الآيات مترابطة.
بل يرجع العلامة الطباطبائي بسياق الكلام إلى الآية السابقة:
﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾
[النساء: 162]
ثم جاء قوله:﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾.
فالآيات تربط الوحي المنزل على النبي محمد ﷺ بسلسلة الوحي التي سبقته، وتقرر أن بعثته ليست حادثة منفصلة عن تاريخ النبوة.
ويعبّر العلامة الطباطبائي عن ذلك بأن الأمر جرى على «نهج واحد لا اختلاف فيه».
أي إن أصل الوحي الإلهي والهداية عن طريق الأنبياء والرسل سنّة جارية في تاريخ البشر، وإن اختلفت الشرائع والأزمنة والتفاصيل.
ثم ينتقل السياق إلى وظيفة أولئك المرسلين:
﴿رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾
ثم يبين الغاية:
﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾.
وبذلك يمكن ملاحظة ثلاثة معانٍ متتابعة في المقطع:
وحدة مصدر الوحي، ووظيفة الرسالات، وإقامة الحجة على البشر.
المصدر: العلامة الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ذيل الآيات 163-165 من سورة النساء.
ثانيًا: لماذا قال ﴿وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ ثم ذكر أسماء بعض الأنبياء؟
قوله تعالى:﴿وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ تعبير عام يشمل الأنبياء الذين جاؤوا بعد نوح عليه السلام.
ومن بينهم إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وغيرهم.
فلماذا دخلوا أولًا في العموم ثم ذُكر بعضهم بأسمائهم؟
ذكر الشيخ الطبرسي في مجمع البيان أن إعادة ذكر هؤلاء بعد دخولهم في عموم ﴿النبيين من بعده﴾ جاءت تعظيمًا لأمرهم وتفخيمًا لشأنهم.
وهذا من الأساليب المعروفة في العربية: ذكر الخاص بعد العام.
فالآية تبدأ بالقانون العام:
أن الله أوحى إلى النبيين بعد نوح.
ثم تستخرج من هذا الجمع عددًا من أعلام تاريخ النبوة، فتذكرهم بأسمائهم.
ولا يكون ذلك تكرارًا خاليًا من الغرض؛ لأن ذكر الاسم بعد دخوله في العموم يلفت النظر إليه ويبرز مكانته.
ويشير العلامة الطباطبائي كذلك إلى مناسبة أخرى للسياق، وهي أن هؤلاء الأنبياء كانوا معروفين عند أهل الكتاب، وكانوا يعرفون أصل بعثتهم ودعوتهم.
كما تعرض الآيات صورًا مختلفة من الصلة الإلهية بأنبيائه: فهذا أوحي إليه، وداود أوتي الزبور، وموسى كلّمه الله تكليمًا.
إذن انتقلت الآية من:
القاعدة العامة: الوحي إلى النبيين
إلى:
ذكر نماذج وأعلام مخصوصين من تاريخ النبوة والوحي.
المصادر:
الشيخ الطبرسي، مجمع البيان، تفسير سورة النساء، الآية 163.
العلامة الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ذيل الآيات نفسها.
ثالثًا: لماذا قال أولًا ﴿النبيين﴾ ثم قال ﴿رسلًا﴾؟
هذه من أدق نقاط الآيات.
الآية الأولى تقول:
﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾.
بينما تقول الآية التالية:
﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾.
وقد ذكر المفسرون في نصب ﴿رسلًا﴾ أكثر من وجه، فمنهم من جعله منصوبًا بفعل مقدّر يفسره قوله ﴿قصصناهم﴾، ومنهم من ربطه بما تقدّم من المذكورين الذين أوحى الله إليهم.
ولهذا لا يصح أن نبني على اختلاف اللفظ وحده قسمة حادة فنقول إن الآية الأولى تتحدث عن النبوة وحدها والثانية عن الرسالة وحدها.
لكن مع ذلك توجد لطيفة سياقية تستحق التأمل.
فالآية الأولى يظهر فيها بوضوح جانب الوحي:
﴿أَوْحَيْنَا... وَالنَّبِيِّينَ﴾.
وعندما جاء التعبير بـ﴿رسلًا﴾ أعقبه مباشرة وصف الوظيفة:
﴿رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾
ثم بيان الغاية من إرسالهم:
﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾.
لذلك يمكن أن يقال إن اختيار لفظ ﴿رسلًا﴾ هنا يناسب انتقال السياق إلى جهة الإرسال والتبشير والإنذار وإقامة الحجة.
وهذه دلالة سياقية يمكن ترجيحها، ولكن لا ينبغي تحويلها إلى قاعدة قطعية تقول إن لفظ النبي لا يستعمل إلا في تلقي الوحي، وإن لفظ الرسول لا يستعمل إلا في التبليغ.
فالاستعمال القرآني أوسع وأدق من ذلك.
رابعًا: ما الفرق بين النبي والرسول؟
ترتبط الآيات بمسألة الفرق بين النبي والرسول، ولكنها ليست في مقام تقديم تعريف اصطلاحي كامل لهما.
ومن الشواهد المهمة في القرآن قوله تعالى في موسى عليه السلام:
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَىٰ إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا﴾
[مريم: 51]
فالقرآن جمع الوصفين في شخص واحد.
ويعرض العلامة الطباطبائي في بحث النبوة القول المشهور القائل بوجود عموم وخصوص بين النبي والرسول، ثم يناقش كفاية هذا التصور لفهم الاستعمال القرآني.
ويشير إلى أن النبي يرتبط من جهة اللفظ بحمل النبأ الإلهي و إخبار الناس بما عنده من خبر الغيب والهداية، بينما الرسول له جهة الإرسال برسالة ومأمورية خاصة.
ولذلك فالمسألة أدق من اختزالها في عبارة واحدة جامدة.
وماذا ورد في روايات أهل البيت عليهم السلام؟
ورد في الكافي، في باب الفرق بين الرسول والنبي والمحدَّث، أكثر من رواية، وينبغي التفريق بينها وعدم جمع ألفاظها كأنها حديث واحد.
ففي رواية عن الإمام الباقر عليه السلام ورد أن الرسول يأتيه جبرئيل قُبُلًا فيراه ويكلمه، وأن النبي يرى في منامه.
وفي رواية أخرى عن الإمام الباقر عليه السلام ورد أن النبي يرى في منامه ويسمع الصوت ولا يعاين الملك، بينما الرسول يعاين الملك ويكلمه.
وفي رواية عن الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام ورد أن النبوة والرسالة قد تجتمعان في شخص واحد.
فيمكن أن نستفيد من مجموع الآيات والروايات أن القرآن يستعمل كل وصف بحسب الجهة التي يريد إبرازها، وأن النبوة والرسالة قد تجتمعان في الشخص نفسه.
ولهذا يكون التعبير بـ﴿رسلًا﴾ في سورة النساء مناسبًا لما تلاه من البشارة والإنذار وإقامة الحجة، من غير أن يعني ذلك انفصالًا تامًا بين النبوة والرسالة.
المصادر:
العلامة الطباطبائي، الميزان، «كلام في النبوة».
الكليني، الكافي، ج1، باب الفرق بين الرسول والنبي والمحدَّث، ص176 بحسب بعض الطبعات.
خامسًا: ماذا يعني قوله تعالى ﴿وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾؟
هذه الآية تثبت بوضوح أن الرسل الذين ذكر القرآن أسماءهم وقصصهم ليسوا جميع من بعثهم الله إلى البشر.وقد جاء المعنى نفسه في سورة غافر:
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾غافر: 78
كما يقول تعالى:
﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا﴾النحل: 36
ويقول:
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ﴾ يونس: 47
ويقول:
وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ فاطر: 24
وهذه الآيات تفتح أمامنا معنى واسعًا:
أن تاريخ الهداية الإلهية للبشر أوسع بكثير من الأسماء والقصص التي وردت في القرآن.
لكن القرآن لم ينزل ليكون سجلًا تاريخيًا ليذكر أسماء جميع الأنبياء والرسل والأمم.
وإنما يختار من القصص ما يؤدي غرض الهداية.
قال تعالى:﴿وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَٰذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾هود: 120
وقال:﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ يوسف: 111
فمعيار القصص القرآني هو:
الهداية، والعبرة، وتثبيت القلب، وإتمام الحجة.
وليس الاستيعاب التاريخي لكل الأشخاص والأحداث.
سادسًا: هل ورد عن أهل البيت عليهم السلام شيء يتعلق بالرسل الذين لم يقصصهم القرآن؟
نعم، وقد وردت رواية مرتبطة مباشرة بهذه الآية.
روى الكليني في روضة الكافي عن أبي حمزة الثمالي، عن الإمام أبي جعفر الباقر عليه السلام، في حديث طويل يتحدث عن مرحلة من التاريخ بين آدم ونوح عليهما السلام، وأن طائفة من الأنبياء كانوا مستخفين.
وجاء فيه:«وكان من بين آدم ونوح من الأنبياء مستخفين، ولذلك خفي ذكرهم في القرآن، فلم يسموا كما سمي من استعلن من الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين».
ثم يربط الحديث ذلك بقوله تعالى:
﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾.
ويفسر عدم القصص في هذا المورد بمعنى أنهم لم يسمَّوا في القرآن كما سُمِّي المستعلنون.
وهذه الرواية مهمة لأنها تكشف عن أحد مصاديق قوله تعالى ﴿رسلًا لم نقصصهم عليك﴾.
لكن ينبغي الانتباه إلى أمرين:
الأول: أن الرواية تتحدث عن طائفة معينة من الأنبياء، وهم المستخفون في تلك المرحلة، فلا يصح أن نعمم سبب الاستخفاء على جميع الرسل الذين لم يقصصهم القرآن.
والثاني: أن في سند الرواية بحثًا رجاليًا، ولذلك يمكن ذكرها شاهدًا مؤيدًا في تفسير أحد مصاديق الآية، دون أن نجعلها وحدها دليلًا قطعيًا على جميع من لم يذكرهم القرآن.
والرواية مروية كذلك في مصادر أخرى، منها كمال الدين وتفسير العياشي.
المصدر:
الكليني، روضة الكافي، ج8، في بعض الطبعات ص114 وفي أخرى ص115؛ ولذلك الأفضل اعتماد رقم الحديث بحسب الطبعة المستخدمة.
سابعًا: هل قوله ﴿لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ يعني أن النبي ﷺ لم يكن يعلم بهم؟
هنا يجب التفريق بين أمرين:
عدم القصص، وعدم العلم.
فالآية قالت:﴿لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾
ولم تقل:لم نعلِّمك بهم
ولا قالت:لا تعلمهم
فالمتيقن من مدلول الآية هو أن الله لم يقصص هؤلاء الرسل على النبي ﷺ في هذا البيان القرآني.
أما مقدار علم النبي ﷺ بهم من طريق آخر، فهذه مسألة تحتاج إلى دليل مستقل.
ولذلك لا يصح أن نستدل بهذه الآية وحدها فنقول:إن النبي ﷺ كان قطعًا لا يعرف هؤلاء الرسل.
كما لا يصح أن نستدل بها وحدها على الطرف المقابل فنقول:إنه كان يعرف أسماءهم وقصصهم جميعًا.
فالآية في ذاتها لا تحسم هذه المسألة.
ويؤيد إمكان التفريق بين عدم القصص وعدم العلم ما ورد في رواية الأنبياء المستخفين؛ إذ فسرت عدم القصص في مورد تلك الطائفة بعدم تسميتهم في القرآن.
وهذا لا يثبت وحده أن النبي ﷺ كان يعلم بجميع أسمائهم، لكنه يوضح أن عبارة ﴿لم نقصصهم عليك﴾ لا تساوي بالضرورة عبارة «لم تكن تعلم بهم».
إذن:
عدم القص في القرآن شيء، ونفي العلم المطلق عن النبي ﷺ شيء آخر.
وكل واحد منهما يحتاج إلى دليله و بعد البحث لم أعثر على دليل يدل على أي من الطرفين.
ثامنًا: هل يتعارض ذلك مع ما ورد في سعة علم النبي ﷺ؟
هنا ينبغي أولًا التفريق بين سعة علم النبي ﷺ وبين كون العلم ذاتيًا مستقلًا.
فالقرآن يقرر أن علم الغيب بالأصالة والاستقلال لله تعالى:
﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ﴾الجن: 26-27
فالاستثناء نفسه يدل على أن الله يمكن أن يُطلع من ارتضى من رسله على ما يشاء من غيبه.وعليه، فإن الاعتقاد بسعة علم النبي ﷺ لا يعني أن علمه قائم بذاته ومستقل عن الله تعالى، وإنما ما عنده من علوم غيبية فهو بتعليم الله وإفاضته وإذنه.
ومن هنا، إذا قام دليل معتبر على أن الله أطلع النبي ﷺ على أمر من أمور السابقين أو اللاحقين، قُبل ذلك الدليل.
أما في خصوص الرسل الذين قال الله عنهم:﴿وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾
فلا يمكن أن نجعل هذه الآية وحدها دليلًا على أن النبي ﷺ لم يكن يعلم بهم، كما لا يمكن جعلها وحدها دليلًا على أنه كان يعلم أسماءهم وقصصهم جميعًا.
فالآية تتكلم عن القصص، وأما مقدار العلم فهو بحث آخر.
تاسعًا: ماذا نفهم من رواية «فجمع له كل وحي»؟
نقل العلامة الطباطبائي في البحث الروائي عن زرارة وحمران، عن الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام، في قوله تعالى:
﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾
أنهما قالا في المعنى:«فجمع له كل وحي».
ويشرح العلامة الطباطبائي الرواية بما يمنع من فهمها على أن كل جزئية أو كل تفصيل أوحي إلى كل نبي قد أعيد بعينه للنبي محمد ﷺ.
وإنما يرجع المعنى إلى وحدة أصل طريق الهداية والوحي الإلهي، وأن الدعوة المحمدية ليست طريقًا خارجًا عن سنّة الله في أنبيائه.وهذا يعيدنا إلى مفتاح الآيات كلها:
إن الرسالات الإلهية سلسلة واحدة من حيث المصدر والغاية العامة، وإن اختلفت الشرائع والأحكام والتفاصيل والأزمان.
فمحمد ﷺ ليس بدعًا من الرسل، والوحي الذي جاءه امتداد لتلك السنّة الإلهية في هداية الإنسان.
الخلاصة
يمكن تلخيص البحث في أربع نقاط:
أولًا: قوله تعالى ﴿وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ تعبير عام، ثم ذُكر بعض الأنبياء بأسمائهم بعد دخولهم فيه؛ وقد ذكر الشيخ الطبرسي أن ذلك لتعظيم أمرهم وتفخيم شأنهم. فهو من ذكر الخاص بعد العام، وليس تكرارًا بلا غرض.
ثانيًا: الانتقال من لفظ ﴿النبيين﴾ إلى ﴿رسلًا﴾ ينسجم مع ما أعقبه من وصفهم بالمبشرين والمنذرين وإقامة الحجة بالرسل. وهذه دلالة سياقية راجحة، لا يلزم منها فصل حاد بين النبوة والرسالة؛ فالقرآن نفسه يجمع الوصفين في قوله ﴿رَسُولًا نَّبِيًّا﴾.
ثالثًا: قوله تعالى ﴿وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ يدل على أن تاريخ الهداية الإلهية أوسع من الأسماء التي ذكرها القرآن. وقد ورد عن الإمام الباقر عليه السلام في رواية الأنبياء المستخفين تفسير عدم القص في مورد طائفة منهم بعدم تسميتهم في القرآن. وهذا يمثل أحد مصاديق عدم القصص، ولا يلزم تعميم سببه على جميع الرسل الذين لم يذكروا.
رابعًا: قوله ﴿لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ لا يساوي قوله «لم تعلم بهم». فالآية تنفي القصص، أما مقدار علم النبي ﷺ بهؤلاء الرسل فيحتاج إلى دليل آخر. وسعة علم النبي ﷺ لا تعني علمًا مستقلًا عن الله، بل ما يعلمه من الغيب إنما هو بتعليم الله وإذنه.
وبذلك يظهر أن دقة التعبير القرآني في هذا المقطع تكشف عن أكثر من معنى في الوقت نفسه:
وحدة طريق الوحي، وتعدد الأنبياء والرسل، وانتقاء القرآن من تاريخهم ما تتحقق به الهداية والعبرة، ثم بيان الغاية الكبرى من الرسالات:
﴿رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾.
والله سبحانه أعلم بمراده.